الشيخ محمد حسين الحائري

403

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

لكن التوثيق لا يستلزم العصمة عن الاشتباه والسهو مع أن ذلك لا يتحقق إلا في حق نادر من الرجال ولا يتحقق معرفته إلا بعلم الرجال فكيف يستغنى به عنه ومنها كون الراوي ممن نقل الاجماع على تصحيح ما يصح عنه وفيه أن الاجماع المذكور منقول في كتب الرجال فيتوقف معرفته على الرجوع إليها ومع ذلك فهو منقول بخبر الواحد ولا علم به وقد وقع الاختلاف في تعيين جماعة من أهل الاجماع كما نبهوا عليه في كتب الرجال على أن الظاهر من الاجماع هناك مجرد الاتفاق لا الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام فلا يستلزم العلم بصحة مورده مضافا إلى أن تصحيحهم لا يستلزم علمهم بصحة الصدور بل معناه مجرد الوثوق والاعتماد على الراوي أو على الرواية التي ثبت روايته لها ولو سلم فلا يلزم من علمهم بصحة روايات رجل علمنا بذلك أيضا ومنها شهادة أرباب الكتب الأربعة بصحة الاخبار التي أوردوها فيها وأنهم أخذوها من الكتب المعتمدة والأصول المعول عليها وفيه أن ما ذكروه لا يدل على قطعهم بصدور تلك الأخبار عن الأئمة عليهم السلام بل إنما يدل على صحتها عندهم وهي أعم من ذلك وقد صرح الشيخ بأن الرواية إذا كانت محفوفة بأمارات الوثوق جاز التعويل عليها وإن لم يبلغ درجة القطع بل يظهر من الصدوق في كتاب الصوم من الفقيه أنه كان يعتمد على قول شيخه الحسن بن الوليد في تصحيح الروايات وتضعيفها حيث نقل فيه عنه استضعافه لرواية محمد بن موسى الهمداني ثم قال وكلما لم يصحح ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك انتهى فمن هذا شأنه في التصحيح والتضعيف فأين هو من دعوى العلم بصحة الصدور ولو سلم فالدلالة المذكورة ليست قطعية ولو سلم فلا يلزم من قطعهم بذلك قطعنا به ثم من الأخبارية من وجه مقالة أصحابه فحمل العلم في كلامهم على العلم العادي وفسره بما يطمئن به النفس قال وهو يحصل بإخبار الضابط المتحرز عن الكذب وإن كان فاسقا وزعم أن الأصولية لا ينكرون هذا المعنى لكنهم يسمونه ظنا فجعل النزاع بينهم لفظيا وفيه ما فيه وتوضيح المقام أن الاعتقاد قد لا يحتمل النقيض عقلا إما بالضرورة كقولنا الواحد نصف الاثنين أو بالنظر كقولنا العالم حادث وقد لا يحتمله عادة كعلمنا بعدم انقلاب بعض الجبال التي شاهدناها ذهبا وعدم انقلاب أشجارها إنسانا فنحن وإن جوزنا وقوع تلك الأشياء بالنظر إلى ذواتها من حيث إمكانها كيف ونحن عالمون بصدور أمثالها من الأنبياء والأولياء في الأزمنة السابقة إلا أنا إذا لاحظنا الخارج قطعنا بعدم وقوع ذلك في هذا الزمان الحاضر وأمثاله قطعا لا يحتمل النقيض عندنا وليس ذلك لغفلتنا عن ملاحظة إمكانه في ذاته وإمكان وجود أسبابه كما زعمه بعض حيث ادعى زوال العلم بعد التنبيه لذلك بل لم نجد أنفسنا غير محتملة للنقيض بعد التنبه لذلك أيضا فإن الامكان الذاتي لا ينافي الامتناع الغيري كما لا ينافي وجوبه وبالجملة فنحن قاطعون بعدم الانقلاب فيما مر للقطع بعدم حصول أسبابها قطعا مستندا إلى الحدس الناشئ من ملاحظة الأحوال المعلومة والقرائن المكشوفة ومن هذا الباب علمنا بأنا في الان الحاضر لسنا بغير الذي كان في الان السابق وإن أمكن خلافه بالنظر إلى الامكان الذاتي ومن جوز ذلك بالنظر إلى الواقع ولو بعد ملاحظة إمكانه الذاتي ووقوع نظائره فقد تأسى في ذلك بابن هبنقة إلا أنه لا يكفيه وجود القلادة وقد لا يحتمل النقيض ما دام المعتقد غير متفطن للنقيض أو لما يوجبه من الأسباب المحتملة ومن هذا الباب علمنا ببقاء من فارقناه في الزمان الحاضر حيا صحيحا فإذا لاحظنا إمكان موته فجأة أو سقوط شئ عليه أو نحو ذلك لم نقطع ببقائه لكن كثيرا ما نذهل عن ملاحظة ذلك فنقطع ببقائه وقد لا يحتمل النقيض احتمالا يعتد به عرفا وإن احتمله عقلا وعادة كالمرتمس في الماء عند عدم وجود حائل على بشرته لا سيما بعد بل جسده فإن أهل العرف يحكمون بوصول الماء إلى تمامها ولا يعتدون باحتمال احتباس قليل من الهواء على بعض بشرته مانع من وصول الماء إليها وإن أمكن وقوعه عقلا وعادة ولهذا يعد الاعتداد بهذا التجويز من باب الوسواس ولك أن تسمي مثل ذلك علما عرفيا وقد لا يحتمل النقيض احتمالا يعتد به شرعا وإن احتمله عقلا وعادة وعرفا وذلك كالشهادة فإنه وإن احتمل في حق الشاهد الكذب بالاعتبارات الثلاثة إلا أنه لا يحتمله شرعا بمعنى أن الشارع لم يعتد بهذا الاحتمال في ترتب الاحكام عليها وكذا الكلام في سائر الطرق الشرعية فإن أراد الموجه المذكور أن أخبارنا علمية بالاعتبار الأخير فهو مما لا نزاع لنا فيه كيف وهو قضية قولنا بحجيتها إلا أن كلمات الأخبارية غير صالحة للتنزيل عليه وإن أراد أنها علمية بالمعنى الثالث فهو على تقدير تسليمه غير مستقيم في حقنا قطعا حيث تنبهنا للنقيض وجوزنا وقوع أسبابه مع أن الأخبارية لا يريدون أنها علمية بهذا الاعتبار فالتوفيق بهذا الوجه بين القولين حكومة من غير تراضي الخصمين وإن أراد أنها علمية بأحد الاعتبارات الاخر فمكابرة جلية وفي أخبار العلاج واعتبار العدد في الشهود وعدم الاكتفاء بدعوى المدعي الثقة ما ينبه على فساده والنزاع على هذا التقدير معنوي وزعم بعض متأخريهم أن أخبار الكتب المذكورة مأخوذة من كتب أصول معتمدة معول عليها بين قدماء الأصحاب محفوفة بأمارات الوثوق والصحة كما يقتضيه شهادة مصنفيها